منتدى منازل السائرين
مرحباً بكم زوارنا الكرام وتأملوا في قول الفُضيل بن عِياض رحمه الله :
" الزمْ طريقَ الهدَى ، ولا يضرُّكَ قلَّةُ السالكين ،
وإياك وطرقَ الضلالة ، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين ".
أهلاً وسهلاً بكم على صفحات منازل السائرين


No


يهتم بنشر الثقافة الإسلامية
 
الرئيسيةالبوابة*بحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مناجاة قلب كسير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابن التين
مشرف
مشرف


تاريخ التسجيل : 17/03/2009
مكان الإقامة : ســـوريــــــــا
التحصيل التعليمي : طالب جامعة
العمل : موظف
العمر : 43
ذكر
عدد المساهمات : 1955
المزاج : الحمدلله رب العالمين
دعاء السمك

مُساهمةموضوع: مناجاة قلب كسير   26.03.10 21:35



بقلم العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي

في ليلة طويلة ظلماء، ساقني الكرب إلى أعتاب الخالق جل جلاله،وهناك لقيت من الأنــس
أضعاف ما أملته من دنيا الناس وشؤونهم،فغمرتني نشوة الذل لقيّوم السماوات والأرض،
وفاض القلب بهذه النجوى.وكيف يكون كسيرا وأنت النور الذي يشعّ في حناياه والأمل
الذي يخفق به ويعيش عليه!..بل كيف لا يكون كسيرا وقد ذلّ لعظيم سلطانــــــــك،
ودان لسابق حكمِك وقضائك!..بلائي به محض العبودية لك، والتجاؤه إليــــــك،
محض رعاية وتوفيق منك،فلأيّهما أدين بالشكر، وعلى أيهما أبذل التحمّــــل
والصبر، وأقسى مـــــــا في كلّ منهما نعمة منك لا أستحقّها، ويد جميلة
لا قبَل لي بأداء شكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرها.


مولاي.....

لئن نسيتْني أفراحُ الدنيا، فإن عزائي بما فاتني منها عظيم ما ألقاه من الأنس بذاتك،
والأملِ في رحمتك. ولئن أبكتْني صروف الليالي والأيام فإن عزائي معها بكائي
على أعتاب لطفك وبين يدي ربوبيتك،وشتان بين دموع اعتصرتْها الآلام من
العيون، ودموع استجابتْ لذلّ العبودية فانحدرت تبكي لمن خلق الوجد
في القلوب، وأودع الحرقة في الدمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوع.


مولاي.....

أأشكرك على ما أوليتني من نعمة الصبر على البلاء، أم أشكرك على ما أوليتني
بذلك من سعادة القرب إليك ولذّة المناجاة لك؟.. جلّت حكمتك يا سيـدي،
وصدق ما قاله الواصلون: "إنّ في كلّ جلال جمـــــــــــــــــالا،
وفي كل ابتلاء منّة ولطفا". وهل في اللطــــــــــــــف
ما هو أعظم من انصراف العبد إليــــــــــك،
وتحوله عن الأغيار إلى ملازمــــة
بابك الكـــــــــــــــــــــريم.


إلهي!


أي شيء يوحشني من الدنيا فقْده بعد أن رأيتك أمامي، وأنست بك في سري وجهري؟!.
بل أي منّة منك أعظم وأجلّ من أن تُزيح عني حجابا كان قد شغلني عنك، فشُغلتُ
بك عنه بما أكرمتَني من الاعتصام بك والتضرع إليك؟....ليقتبس نارا، فعوّضتَه
عن ذلك بالأجل يا سيدي... لقد ذهب موسى بعظيم نجواك!.. نعم، إن القلب
قد يتألم ولكن ما ألذَّ الألَم الذي يذيق صاحبه طعم العبودية لك، وحـلاوة
الرضا بحُكمك!.. ولكني يا مولاي، أجدني قد تطاولتُ بهذا القــول
إلى مكانة ليس لي شرف الدنوّ إليها،وما أنا -وحقك- في المزلة
ممن يَحسُن بهم أن يقولوا: "عذِّبْ بما شئتَ، غيرِ البُعد عنك"
إنني يا مولاي عبد إحسانك وفضلك، أفرّ من كل ضائقة
إلى ظلال رحمتك، وأرتمي هاربًا من كل بلاء أمـام
أعتاب جودك،حسبي أن أتعلق في الخوف من كل
كرب بنجوى أحبِّ خلقك إليـــــــــــــــــــك:
"ولكن عافيتك أوسع لـــــــــــــــــــــي".
وبدعاء نبيك الكليـــــــــــــــــــــــــــم:
رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيــرٌ
وبنداء رسولك الصابر الأواب لربِّــه
أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّوَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
وكيف لا أتعلق بفضلك وأطمع بعافيتك،
وأنت الذي لم تُقصِني عن مائدة إحسانك
في يوم من حياتي،ولم تقطع عني وابل رحمتك
في لحظة من عمري؟!.. أم كيف أَركن إلى البؤس
والضيق، وأنت الذي عوّدتَني العطاء، ونشّأتني في ظلال
الرخاء؟!.أعوذ برحمتك التي غمرتَ بها وجودي كله، مـن أن
تبـــدّل بها شـــدة لا قبل لي بـــها،أو بلاء لا صبر لي عليـــــــه.

إلهي....


سألوني عن وجودك، فقلتُ لهم: "متى عرفتم أنفسكم رأيتموه، ولولا ضلالكم عن كَينونتكم لَما افتقدتموه".
إن الذي ينظر إلى العالم ذاهلا من وراء منظارجدير به أن يفتقد منظاره ولا يراه ومهما أدارعينيه
فيما حوله فإنه لن يعثر عليه، حتى يهتدي إلى ذاته ويتحسس المنظار القائم أمام عينيــه.
وسألوني عن أقدس سرّ من أسرارك، فقلت لهم: "إنه القلب!".. يخفق ويحــــسّ،
ويحنّ ويئنّ، في عالم لا تطوله فيه يدُ المال والمتاع، ولا الصَّنعة والخداع،
ولا الدنيا وزخرفها، أو المادة وقيمها!..عروش الدنيــــا وممالكها،
وبطشها وسلطنتها.. كل ذلك أقلّ من أن يــــقاوم خفقة من
خفقات قلب محبّ!..ونعيم الدنيا وأفراحها، ولهوها
ولذائذها.. كل ذلك أقلّ من أن يخلق لمعةَ
فرحٍ في قلب حزيـــــــــــــــــــن!..


يمضي الناس في معالجة مدَنياتهم وحضاراتهم، ويتسابقون إلى دنياهم وملاذهم، وتبقى هذه القلوب الخفاقة
فوق ذلك كله، لا تطوّرها يد الحضارة ولا تغيرها آثار المدنية.فهل في أسرار ما صنَعه الخالق شيء
أقدس وأعجب من القلب.وسألوني يا مولاي عن أبدع مخلوقاتك وأجمل آثارك، فخرجت بهم
أجتلي مغاني الربيع!..ولما توسطنا السفوح الخضر، وهي ترتجّ وتموج بما انبسط
فوقها من أفانين الخضرة الفاتنة، والرياحين العطرة، والأزاهير التي تذوب
وراء جمالها العين، ناديت بأعلى صوتي: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَــــــــــةِ اللهِ
كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) انـــــــــــــــــــــــــظـــر إلى آثار رحمة الله
كيف بدّلت وحشةَ الأرض أُنسًا، وحوَّلت جدبها اخضـــــــــــــــــــــــــرارًا
وأخرجت من قسوتها رقة تثمل بها النفس، وفتنةً ينتشي بها القلـــــــــــب!.
بالأمس كنتَ تنظر إلى هذه الأرض وهي بلقع تلفّها وحشة اليــــــــــــــأس،
واليوم تبعث العينَ فيها وإذاهي تفيض حياة ونضارًا وتزدان برونق الأمل!
بالأمس كان يُبصر فيها العاشق الملتاع صــــــــــــــــــدى لوحشته وعذابه،
واليوم يجلس إليها ليتّخذ منها نجيّ أشواقه، وسمير آلامه ومبــــــعث آماله.
أجل.. (فَانْظُرْ إِلَى آثَــــــــارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَــــــعْدَ مَوْتِهَا)

مولاي....


هل كان فيما أبدعه صُنعكَ هذا -ما بين شتاء وربيع- إلاّ صورة رائعة أبرزتَ فيها
-بعظيم إبداعك- كيف يتحول اليأس المحرق إلى أمل خافق منعش، وكيف تُنشَّأ
الحياة المضيئة من جــــــــــوف ظلام ميت!..جلّت حكمتك وعظمت رحمتك
يا مـــــولاي... متّعتَ أعين العشاق بالورود الحمراء، وأنطقتَها لهم بلغة
مــــــــــن الجمال تتقاصر عنها لغة الكلام، حتى يكون لهم من ذلك
عزاء عن الجمال الذي افتقدوه، وسلوًى عن الأمل الذي خسروه
أنعشتَ نفوسَهم بعبق الرياحين وعطر الزهور، حتى يغسلوا
أفئدتهم بها من غبار الكآبة وألم الهجران!..أقمتَ لهم من
مرأى الخمائل بكل ما زيّنتَها به من فتنة وجمال نديمًا
يسامرهم وجليسا يؤنسهم ونجيا يتأثُر لأنّاتهم
ويتمايل لآهاتهم!..وأبدعتَ لهم ذلك كله -يا مولاي-
من جوف أمِّهم الأرض!..ألا بوركتِ أيتها الأرض، مصدر
سلوى لأبنائك الذين لا تزال الحياة تحرّكهم على ظهرك ولْيزدك
الله رحمة بنا وحنانًا، يوم يعيدنا الردى منك إلى الأعماق.ورأيتُ يا مولاي،
أشتاتا من الناس يسرحون ويمرحون خلال تلك الآثار كما تسرح الدوابّ والأنعام!..
وقد اتخذوا من دونك حجابا، وجعلوا من نعمائك شغلا لهم عنك، ومـــــن عطائك سببا لكفرانهم بك!..
ورأيتُهم يسجدون للمرآة التي يسطع فيها خيال الشمس، وهم عن وجود الشمس وحقيقتها غافلون!..

ورأيتهم قد فُتنوا بعبق الرياحين وصور الورد والزهر والياسمين؛ ولكنهم عموا أو تعاموا
عمن أبدع الرائحة في العطر، وخلق النشوة في الخمر، وأخرج الورود من أكمامها،
وفجّر الخضرة من جذورها!..ورأيتُكَ يا مولاي، تشملهم جميعا بالمنّة والعطاء،
وتوليهم جميعا الرحمة والنَّعماء. تلك هي رحمتك بمن قد نسيَك وتاه عنك.
فكم هي رحمتك -ترى- بمن عاش يرقب فضلك ويستمطر جودك
وإحسانَك؟!..أيتها الرياض النّضرة!..أيتها الورود الناعمة
الضاحكة!..أيتها الروائح المسكرة العبقة!..لَشدَّ مَا
يطربني وينعشني أن أجدني غريقا فــــــيما
بينكم، ملفوفا بتَحنانكم، ولكني ما انتعشت منكم
بشيء أكثر من الأمل!..الأمل!.. أقرؤه في تماوج
العشب مع الرياح السارية، وأجده في انبعاث روائح
منعشة شتى من تلك الورود النضرة، وأسمعه من حفيف
الأغصان وتصفيق أوراقها الرقيقة الخضرة.أجل.. إنه الأمل
الذي صورتْه يد الخلاّق، إذ أنبَتَكم من طوايا أرض مظلمةٍ جامدة؛
أبدع حياة الأرض من موتها، وأخرج زينة الدنيا من كآبتها، وأظهر
أرقّ ما في الكون من قسوته وصلابته!..يا من استوى في خلقه الأملُ
واليأس، وتلاقى في تقديره الموت مع الحياة!..يا مُنشئ النور من الظلام،
ومبدع الفرح من الأحزان!..يا من هذا سرّ لطفك وطعم إحسانك وحنانك؟..
يا إلهي.....كيف أيأس إذاً وأنت ربّي، أم كيف لا يُنعشني الأمل وأنت حسبي؟!..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الجبوري
عضو مميز
عضو مميز


تاريخ التسجيل : 21/06/2009
مكان الإقامة : سوريـــــــــــــــــا
التحصيل التعليمي : جامعي-ترجمة
العمل : التعليم
العمر : 31
ذكر
عدد المساهمات : 1556
المزاج : متفائل
دعاء الجدي

مُساهمةموضوع: رد: مناجاة قلب كسير   26.03.10 22:27





لئن نسيتْني أفراحُ الدنيا، فإن عزائي بما فاتني منها عظيم ما ألقاه من الأنس بذاتك، والأملِ في رحمتك



سلمت يداك ابو أحمد على هذا الموضوع الرائع



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبداللطيف
المشرف العام
المشرف العام


تاريخ التسجيل : 12/03/2009
مكان الإقامة : سوريا
التحصيل التعليمي : جامعي
العمل : التعليم
العمر : 31
ذكر
عدد المساهمات : 5635
المزاج : الحمد لله
دعاء الميزان

مُساهمةموضوع: رد: مناجاة قلب كسير   27.03.10 14:16

:D

يالها من دعوات عارفٍ بربه متـــــلذذ بمناجاة مولاه
اللهم أفض علينا ما أفضت به على عبادك الصالحين

أما أخونا عادل فلقد أحسن الاختيار
فبارك اللهم فيه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الفاروق
مشرف
مشرف


تاريخ التسجيل : 05/05/2009
مكان الإقامة : سوريا
التحصيل التعليمي : كلية الشريعة
العمل : مدرس
العمر : 39
ذكر
عدد المساهمات : 4803
المزاج : أسأل الله العفو والعافية
دعاء الجدي

مُساهمةموضوع: رد: مناجاة قلب كسير   27.03.10 14:44

:D

رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيــرٌ
I love you

مناجاة عظيمة
والتنسيق أعجبني كثيراً

I love you
لكم جزيل الشكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alshlash.yoo7.com/
خادم القرآن
عضو مميز
عضو مميز


تاريخ التسجيل : 13/06/2009
مكان الإقامة : سوريـــــــــــــــــا
التحصيل التعليمي : جامعي - شريعه
العمل : بترول
العمر : 43
ذكر
عدد المساهمات : 423
المزاج : معتدل
دعاء العقرب

مُساهمةموضوع: رد: مناجاة قلب كسير   27.03.10 18:09

انـــــــــــــــــــــــــظـــر إلى آثار رحمة الله
كيف بدّلت وحشةَ الأرض أُنسًا، وحوَّلت جدبها اخضـــــــــــــــــــــــــرارًا
وأخرجت من قسوتها رقة تثمل بها النفس،

حفظ الله شيخنا العارف بالله البوطي

وجزاك الله خيرا يا شيخ عادل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مناجاة قلب كسير
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى منازل السائرين :: ¤ ¤ ¤ قد أفلح من تزكى ¤ ¤ ¤ :: .:: الأخلاق والسلوك ::.-
انتقل الى: