منتدى منازل السائرين
مرحباً بكم زوارنا الكرام وتأملوا في قول الفُضيل بن عِياض رحمه الله :
" الزمْ طريقَ الهدَى ، ولا يضرُّكَ قلَّةُ السالكين ،
وإياك وطرقَ الضلالة ، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين ".
أهلاً وسهلاً بكم على صفحات منازل السائرين


No


يهتم بنشر الثقافة الإسلامية
 
الرئيسيةالبوابة*بحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 "بلاغة الأجوبة المسكتة"

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
م.ناصرالدين
عضو فعال
عضو فعال
avatar

تاريخ التسجيل : 02/12/2010
مكان الإقامة : محكان
التحصيل التعليمي : مهندس
العمل : موظف
العمر : 32
ذكر
عدد المساهمات : 35
دعاء الثور

مُساهمةموضوع: "بلاغة الأجوبة المسكتة"   08.12.10 10:27



من قديم والعرب يرون بلاغتهم في الإيجاز وروعة تعبيرهم في الكلام القليل العدد العامر بالمعاني والدلالات، وهي نظرة ترى في الإطناب -
أي كثرة الكلام والإطالة فيه من غير أن يتطلب المعنى ذلك -
عجزا عن الإبداع في القول
والإتيان فيه بكل ما يستوقف النظر المتأمل، من عبارة موجزة، لكنها - على قصرها - تجمع في ثناياها فيضا من الفكر والحكمة والبصر بالحياة والناس

ومن هنا كان قولهم المعروف: خير الكلام ما قل ودل.

ويتجلى جمال العربية أروع ما يتجلى من خلال ردودهم البليغة المسكتة
وهي مسكتة لأن سامعها يرمى بها فلا يحير جوابا ولا يملك نطقا
لأن إحكامها وصياغتها وطريقة صكها بهرته فأخرسته
ولأنها عادة تجئ على غير توقع من متقبلها فكأنه أصيب في مقتل
فابتلع دهشته وصمت.

ولعلنا لو اقتربنا من بعض نماذج هذه الردود المسكتة أو المفحمة كما يحلو للبعض أن يسميها - وكأنما وضع قائلها في فم من يسمعها فحما فلم يستطع النطق - لعلنا لو اقتربنا منها لتعرفنا على فن من فنون العرب البليغة في القول والمبارزة اللسانية، ولأدركنا كيف كانت صياغة العبارة العربية كصياغة الذهب، معيارا بمعيار، قيمة وجمالا وروعة أداء.
من أجمل هذه الأجوبة والردود المسكتة ما يروى عن الرسول الكريم، وقد سألته السيدة عائشة: متى يعرف الإنسان ربه؟

فأجابها الرسول الكريم: إذا عرف نفسه!

وقال له رجل: يا رسوله الله إني أكره الموت.

فقال الرسول الكريم: ألك مال؟

قال الرجل: نعم.

فقال الرسول الكريم: قدم مالك، فإن قلب كل امرئ عند ماله.

ومعنى قوله: "قدم مالك" أنفقه في سبيل الخير وعمل الصالحات حتى إذا لم يبق لك إلا القليل لم تحرص علي الحياة.

ويروون أن الأحنف بن قيس- أحد حكماء العرب وحلمائهم في الجاهلية - سئل ذات يوم: ممن تعلمت الحلم؟

فقال: تعلمته من قيس بن عاصم المنقري، حضرته يوما وهو محتب - أي جالس على مؤخرته وقد ضم فخذيه وساقيه إلى بطنه بذراعه ليتكئ - يحدثنا إذ جاءوا بابن له قتيل وابن عم له كتيف - أي مقيد - فقالوا: هذا قتل ابنك هذا، فلم ينقطع قيس عن حديثه، ولا حل حبوته - أي فك جلسته - حتى فرغ من الحديث، فالتفت إليهم وقال
: أرعبتم الفتى - أي أخفتموه.

ثم أقبل عليه فقال: يا بني، نقصت عددك، وأوهنت ركنك، وفتت في عضدك، وأشمت عدوك، وأسأت إلى قومك.
ثم التفت إلى قومه وقال: أين ابني فلان؟ فوقف بين يديه، فقال له: يا بني، قم إلى ابن عمك فأطلقه، وإلى أخيك فادفنه، وإلى أم القتيل فأعطها مائة ناقة لأنها غريبة فلعلها تسلو عنه.

ويروون أن يحيى بن خال قال لشريك: علمنا مما علمك الله يا أبا عبدالله.

فقال له شريك: إذا عملتم بما تعلمون، علمناكم ما تجهلون.

وقالت زوجة يحيى بن طلحة لزوجها: ما رأيت ألأم من أصحابك إذا استغنيت لزموك، وإذا أعسرت تركوك.

فقال: هذا من كرم أخلاقهم، يأتوننا في حال القوة منا عليهم، ويفارقوننا في حال الضعف منا عنهم.

ويروون أنه قيل لابن السماك الأسدي - أيام معاوية -: كيف تركت الناس؟

قال: تركتهم بين مظلوم لا ينتصف له، وظالم لا ينتهي.

ولقي الإمام الحسين بن علي الشاعر الفرزدق وهو في مسيرة إلى العراق، فسأله الحسين عن الناس، فقال الفرزدق: القلوب معك، والسيوف عليك والنصر في السماء.

وقيل للخليل بن أحمد - واضع علم العروض والقوافي-: مالك تروي الشعر ولا تقوله؟

فقال: لأني كالمسن، أشحذ ولا أقطع. وسئل مثل هذا السؤال مرة أخرى فقال: يأباني جيده وأبي رديئه.

ويروون أن الخليفة العباسى المنصور كتب إلى عبدالله جعفر الصادق يقول له: لم لا تغشانا كما يغشانا الناس؟ فقال له عبدالله: ليس لنا من الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك من الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنئك بها ولا نعدها نقمة فنعزيك لها.

فأجابه المنصور: يا عبدالله، تصحبنا لتنصحنا، فقال عبد الله: من يطلب الدنيا لا ينصحك، ومن يطلب الآخرة لا يصحبك.

ويروون أن رجلا استمع إلى الشاعر العباسي أبي تمام وهو ينشد قوله: لا تسقني ماء الملام، فإنني صب قد استعذبت ماء بكائي.

فأعد له كأسا وهو يقول - على سبيل التهكم والسخرية-: ابعث إلي في هذه الكأس بقليل من ماء الملام، فأجابه أبو تمام من فوره: لا أبعث إليك حتى تبعث إلي بريشة من جناح الذل أكتب بها - وأبوتمام يشير إلى قوله تعالى: واخفض لهما جناح الذل من الرحمة.

وهو رد في غاية الإعجاز، ودرس في فن الأجوبة المسكتة التي نطالع بتأملها صفحة فريدة من جمال العربية في لغة التعبير.

"ضيف ولا قرى"
للحطيئة


لعل هذا النص الشعري أن يكون أول قصة شعرية، أو قصيدة قصصية عرفها شعرنا العربي، أو على الأقل واحد من هذه النصوص المبكرة في ديوان الشعر العربي كله التي عكف من خلالها الشاعر على صياغة تجربته في قالب قصصي يبدأ بالمقدمات متصاعدا إلى ذروة الحدث مفضيا في ختام قصيدته إلى الحل السعيد.

والقصيدة لواحد من أبرز شعراء العربية الذين ارتبطوا - في وجدان الناس وعقولهم - بحدة التعبير والتفنن في مجال الهجاء والخروج على المألوف من الأعراف والتقاليد والقيم، وهو شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، نشأ في نجد مغمور النسب.

تقول عنه كتب التراث العربي إنه أسلم ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام وشارك في فتح فارس، وحبسه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب لهجائه المقذع ثم أطلق سراحه بعد أن اشترط عليه ألا يهجو أحدا ومنحه مالا ليغنيه عن حاجته إلى الهجاء إرهابا للناس بلسانه ليعطوه.

تنقل الحطيئة بين الحجاز والعراق والشام، وكان شريرا بذيئا جشعا، يتكسب من المدح والهجاء ويعد إمام الهجاء في عصره حتى لقد هجا نفسه وأسرته وضيوفه. كما يوصف الحطيئة بأنه تصرف في فنون الشعر جميعا مع التفوق والإجادة، وبأنه من "عبيد الشعر" أي الشعراء الذين يعنون بتنقيح شعرهم ويعتمدون على المجاز والصور الحسية.

واسمه الأصلي جرول بن أوس، والجرول في اللغة الأرض ذات الحجارة والأوس من أسماء الذئب، أما الحطيئة فمعناه القصير.

والقصيدة التي نعرض لها من شعر الحطيئة
واحدة من عيون شعره
ترسم صورة للكرم العربي في وجه الضيف الذي يطرق على غير توقع، وليس من زاد ولا طعام يقدم له، ويهتف الابن بأبيه - رب الدار- أن يذبحه لييسر للضيف طعاما، وكأننا نستعيد قصة إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل، ويأتي الحل السعيد حين تلمح الأنظار عانة أي قطيعا من حمر الوحش، يتيح صيدها للجميع قضاء حق الضيف واغتنام التمدح بالكرم العربي. وبات الأب أبا للضيف والأم أما للضيف بشاشة ورعاية وكرما.

ولننظر الآن كيف أبدع الحطيئة قصيدته القصصية:


وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمـل
بتيهاء لم يعرف بها ساكن رسمـا
أخي جفوة فيه من الإنس وحشـة
يرى البؤس فيها من شراسته نعمى
وأفرد في شعب عجـوزاً إزاءهـا
ثلاثـة أشبـاح تخالهمـو بهمـا
رأي شبحاً وسـط الظـلام فراعـه
فلما بـدا ضيفـاً تشمـر واهتمـا
وقال: هيا رباه ضيـف ولا قـرى
بحقك لا تحرمه تا الليلـة اللحمـا
وقـال ابنـه: لمـا رآه بحـيـرة
أيا أبت اذبحني ويسر لـه طعمـا
ولا تعتذر بالعدم عل الـذي طـرا
يظـن لنـا مـالا فيوسعنـا ذمـا
فـروى قليـلا ثـم أحجـم برهـة
وإن هو لم يذبح فتـاه فقـد همـا
فبينا هما غنمت على البعد عانـة
قد انتظمت من خلف مسحلها نظما
عطاشا تريد الماء فانساب نحوهـا
على أنه منها إلـى دمهـا أظمـا
فأمهلها حتـى تـروت عطاشهـا
فأرسل فيها مـن كنانتـه سهمـا
فخرت نحوص ذات جحش سمينـة
قد اكتنزت لحما وقد طبقت شحمـا
فيا بشره إذ جرهـا نحـو قومـه
ويا بشرهم لما رأوا كلمها يدمـى
فباتوا كراما قد قضوا حق ضيفهـم
وما غرموا غرما وقد غنموا غنمـا
وبات أبوهـم مـن بشاشتـه أبـا
لضيفهمو والأم من بشرهـا أمـا


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبداللطيف
المشرف العام
المشرف العام
avatar

تاريخ التسجيل : 12/03/2009
مكان الإقامة : سوريا
التحصيل التعليمي : جامعي
العمل : التعليم
العمر : 32
ذكر
عدد المساهمات : 5635
المزاج : الحمد لله
دعاء الميزان

مُساهمةموضوع: رد: "بلاغة الأجوبة المسكتة"   08.12.10 14:12

من أجمل الأجوبة المسكتة ما يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقد سألته السيدة عائشة: متى يعرف الإنسان ربه؟
فأجابها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: إذا عرف نفسه!

فإذا عرف الانسان أنه عاجز عرف قوة الله وهكذا...


Rolling Eyes

أخي ناصر الدين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الفاروق
مشرف
مشرف
avatar

تاريخ التسجيل : 05/05/2009
مكان الإقامة : سوريا
التحصيل التعليمي : كلية الشريعة
العمل : مدرس
العمر : 40
ذكر
عدد المساهمات : 4806
المزاج : أسأل الله العفو والعافية
دعاء الجدي

مُساهمةموضوع: رد: "بلاغة الأجوبة المسكتة"   09.12.10 21:18

ومن هنا كان قولهم المعروف: خير الكلام ما قل ودل.

Question

أخي ناصر الدين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alshlash.yoo7.com/
أبوعلاء
مشرف
مشرف
avatar

تاريخ التسجيل : 23/04/2010
مكان الإقامة : سوريا
التحصيل التعليمي : معهد متوسط
العمل : موظف
العمر : 40
ذكر
عدد المساهمات : 5119
المزاج : الحمد لله على كل حال
دعاء الثور

مُساهمةموضوع: رد: "بلاغة الأجوبة المسكتة"   12.12.10 10:22

وقال له رجل: يا رسول الله إني أكره الموت.
فقال الرسول الكريم: ألك مال؟
قال الرجل: نعم.
فقال الرسول الكريم: قدم مالك، فإن قلب كل امرئ عند ماله.
Rolling Eyes
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
"بلاغة الأجوبة المسكتة"
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى منازل السائرين :: ¤ ¤ ¤ قسم التعليم التربوي ¤ ¤ ¤ :: .:: في رحاب لغتنا الجميلة ::.-
انتقل الى: