ومن أخلاقهم رضي الله عنهم : أنهم لا ينصحون ولا يوصون إلاَّ من علموا منه بالقرائن قبول النصح والوصايا منهم ، وأما
من علموا منه أنه تتحرك نفسه إذا نصحوه ونحو ذلك فالأولى الإعراض عنه وتأخير ذلك حتى يجد أحدهم طريقا شرعيا يدخل
إليه منها .
وكان حامد اللفاف رحمه الله تعالى يقول : لا ينصح أحدا إلا إن علمت منه القبول ، والاَّ فربما أعقبك ذلك النصح
ضررا لا تطيقه ، و إياك أن تطلب الرياسة على أحد في هذا الزمان، فإن كل أحد قد عدّ نفسه أبا فلان،وإياك أن تقتدي بكل أحد
فإن الأهواء قد انتشرت انتشاراًعظيماً وإياك أن تفشي سرك إلى أحد فإن الأمانة قد ارتفعت
قلت : وقد صدق رحمه الله ، فإنه قد وقع لي أني نصحت مرَّة شيخاً من مشايخ العصر بأنه لا يأكل من بيوت الظَّلَمة ؟ وكان ذلك
بيني وبينه ، فمكث سبعة عشرة سنة لا يكلمني و ما صالحته إلاَّ بجهد عظيم ، فكيف حالي معه لو كنت نصحته في الملإ ؟ لعله
كان يسعى في قتلي !فاعلم ذلك يا أخي واعرف زمانك وانصح إخوانك بسياسة ،
ومن أخلاقهم رضي الله تعالى عنهم : إذا لم يكن لهم مال وكان إخوانهم يكسونهم وينفقون عليهم أن لا يكثروا من إعطاء الناس
الثياب والطعام ، بل يحملون كلفتهم عن إخوانهم ما أمكن ، وذلك لأنهم لا يدعون أحداً عريانا ولا جيعانا ، وقد كنت سلكت
هذا المسلك ، فتوبني عنه شيخي سيدي محمد بن عبد الله وشيخي سيدي نور الدين السنوني رحمه الله تعالى فقلت له : يا سيدي ؟
فإن أقسم عليّ السائل بالله أو برسوله صلى الله عليه وسلم؟! فقال: لا تعطه وقل بَدَل ذلك: جلَّ الله العظيم، أو صلِّ على رسول الله
صلى الله عليه وسلم. فإن القسم إنما يستحب للعبد إبرارُه ؟ إذا كان له مال ، وأما من ينفق عليه الناس فلا يؤمر بإبرار القسم
إلا بطريقه الشرعي , كأن لا يكون في إعطائه مانعٌ أشد من إبرار القسم ، ولما علم إخواني أني أعطي السائل
جوختي أو فروي أو عمامتي ، ولا أتوقف صار أحدهم يوقف عليَّ ما يعطيه لي من الثياب وبعضهم يجعله عارية
عندي وبعضهم يعلق طلاق زوجته على إعطاء ذلك لأحد بغير إذنه فلهذا العذر تجدني أشحَّ في بعض
الأوقات على السائل ولو أنه كان سألني ما هو لي لم أشح عليه بحمد الله تعالى ، ولو كان جوختي الجديدة ، أو صوفي
الجديد في أول يوم لبسته .
فإياك يا أخي و المبادرة إلى سوء الظن بأحد من أشياخ الطريق ؛ إذا دخل عليه عريان وسأله ثوباً من ثيابه مثلا ،
فلم يعطه ، ويقول : هذا خروج عن طريق الفقراء ، بل افحص قبل ذلك عن القضية فربما كان ذلك الشيخ له
عذر مما قدمناه ولم يمنع ذلك السائل لشح عنده ،
والحمد لله رب العالمين .
منقول من كتاب تنبيه المغترين للشعراني مطبعة دار البشائر