منتدى منازل السائرين
مرحباً بكم زوارنا الكرام وتأملوا في قول الفُضيل بن عِياض رحمه الله :
" الزمْ طريقَ الهدَى ، ولا يضرُّكَ قلَّةُ السالكين ،
وإياك وطرقَ الضلالة ، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين ".
أهلاً وسهلاً بكم على صفحات منازل السائرين


No
منتدى منازل السائرين
مرحباً بكم زوارنا الكرام وتأملوا في قول الفُضيل بن عِياض رحمه الله :
" الزمْ طريقَ الهدَى ، ولا يضرُّكَ قلَّةُ السالكين ،
وإياك وطرقَ الضلالة ، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين ".
أهلاً وسهلاً بكم على صفحات منازل السائرين


No
منتدى منازل السائرين
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.


يهتم بنشر الثقافة الإسلامية
 
الرئيسيةالبوابة*التسجيلدخول

 

 أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صالح العلي
المشرف العام
المشرف العام
صالح العلي

تاريخ التسجيل : 12/03/2009
مكان الإقامة : سوريا
التحصيل التعليمي : جامعي
العمل : التعليم
العمر : 62
ذكر
عدد المساهمات : 5646
المزاج : الحمد لله
دعاء العقرب

أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك Empty
مُساهمةموضوع: أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك   أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك Empty11.10.10 23:38

:)
أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك

اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون حفظ الأحكام الفقهية في هذه المذاهب التي بين أيدينا، قال جل جلاله : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، ومن هذه الحكمة ما ذكره ابن رجب رضي الله عنه في ((الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة))(ص30-31): ((فإن قال أحمق متكلّف: كيف يحصر الناس في أقوال علماء متعينين ويمنع من الاجتهاد أو من تقليد غير أولئك من أئمة الدين.

قيل له: كما جمع الصحابة رضي الله عنهم الناس على حرف واحد من حروف القرآن ومنعوا الناس من القراءة بغيره في سائر البلدان؛ لما رأوا أن المصلحة لا تتم إلا بذلك، وأن الناس إذا تركوا يقرؤون على حروف شتى وقعوا في أعظم المهالك.

فكذلك مسائل الأحكام وفتاوى الحلال والحرام، لو لم تضبط الناس فيها بأقوال أئمة معدودين؛ لأدى ذلك إلى فساد الدين، وأن يعد كلّ أحمق متكلف طلبت الرياسةَ نفسه من زُمرة المجتهدين، وأن يبتدع مقالة ينسبها إلى بعض مَن سلف من المتقدّمين، فربما كان بتحريف يُحرِّفه عليهم، كما وقع ذلك كثيراً من بعض الظاهريين، وربما كانت تلك المقالة زلّة من بعض مَن سلف قد اجتمع على تركها جماعة من المسلمين، فلا تقتضي المصلحة غير ما قدَّره الله وقضاه من جمع الناس على مذاهب هؤلاء الأئمة المشهورة رضي الله عنه )).

وقال الإمام السيوطي رضي الله عنه : ((اعلم أن اختلاف المذاهب في هذه الملّة نعمة كبيرة وفضيلة عظيمة، وله سرٌّ لطيف أدركه العالِمون، وعَمِي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجهال يقول: النبي صلى الله عليه وسلم جاء بشرع واحد، فمن أين مذاهب أربعة))كما في ((أدب الاختلاف))(ص25)، فمن الأسباب الموجبة لهذا التقليد وأهمية ذلك ما يلي:

أولاً: إن أصولَهم التي اعتمدوا عليها أمكن وأدّق من أصول غيرهم: إذ أنه لا بدّ لكلّ مَن يدَّعي الاجتهاد من أصول يعتمد عليها في استخراج الأحكام، إذ أنه بين هذه الكثرة من نصوص القرآن والأحاديث النبوية وآثار الصحابة وما اتفق عليه من الفقهاء يحتاج في استنباط أي حكم شرعي إلى قواعد يوفق فيها بين عمومات وخصوصات هذه النصوص، وبين ما ظاهره التعارض منها وهلم جرّا، فمَن كانت أصوله أقوى من غيره كانت فروعه منسجمة ومنتظمة فيما بينها وأدعى للقبول والبناء عليها، وتبيَّن صدق ذلك على الأئمة المتبوعين عند ذكر قصّة زفر رضي الله عنه مع البتي رضي الله عنه وعند ذكر مميِّزات الطور السابق.

قال إمام الحرمين: ((أجمع المحققون على أن العوامَ ليس لهم أن يتعلَّقوا بمذاهب الصحابة رضي الله عنهم بل عليهم أن يتَّبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا وبوبوا; لأن الصحابة رضي الله عنهم لم يعتنوا بتهذيب المسائل والاجتهاد وإيضاح طرق النظر بخلاف مَن بعدهم)) كما في ((مواهب الجليل))(1: 30).

ثانياً: كثرة الفروع التي وردت عنهم: فإن أبا حنيفة وضع ثلاث وثمانين ألف مسألة، وسيأتي عند الكلام عن تدوين الفقه أن مسائل أبي حنيفة التي دونها محمّد بن الحسن سمعها منه أسد بن الفرات فسأل ابن القاسم من أصحاب مالك عن قول مالك في هذه المسائل، وألَّف بذلك ((المدونة)) المشهورة كما في ((منهج كتابة الفقه المالكي))(ص61-66)، وأما الشافعي فأملى كتابه ((الأم)) على تلاميذه في مصر، وأما أحمد رضي الله عنه فإن أبا بكر الخلال رضي الله عنه رحل في جمع المسائل التي أفتى فيها فبلغت أربعين مجلداً. قال ابن برهان رضي الله عنه في سبب منع تقليد الصحابة رضي الله عنهم : ((لأن مذاهب الصحابة رضي الله عنهم لم تكثر فروعها حتى يمكن لمقلّد الاكتفاء بها طول عمره)) كما في ((مواهب الجليل))(1: 31).

ثالثاً: كثرة تلاميذهم الذين تلقّوا عنهم وآثروا الانتساب إليهم ونقلوا فتاويهم: فعن الشافعي: ((الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به))؛ إذ لا يكون مذهب لعالم إلا بالتلاميذ الذين يقومون بنقل مسائله ونشرها بين الناس، فلولا التلاميذ يضيع فقه الإمام كائناً من كان، فهم حلقة نقله إلى الآخرين.

رابعاً: توفّر الجهابذة من الحفَّاظ الذين كرَّسوا أوقاتهم في الاحتجاج لمسائل هؤلاء الأئمة: فمثلاً في مذهب أبي حنيفة نجد أن أب يوسف رد على الأوزاعي وعلى ابن أبي ليلى رضي الله عنه انتصاراً لأبي حنيفة رضي الله عنه ، ومحمد بن الحسن بعد تلقيه الموطأ على مالك يردّ عليه في مسائله التي خالف فيها أبا حنيفة، ويؤلف أيضاً ((الحجة على أهل المدينة)) في تأييد ما ذهب إليه أبو حنيفة رضي الله عنه. وعيسى بن أبان ألف ((الحجج الصغير)) في الرد على ما ادعاه عيسى بن هارون الهاشمي رفيق المأمون في عهد طلبه للحديث من مخالفة أبي حنيفة رضي الله عنه لأحاديث .ة دونها الهاشمي في كتاب، أعجب المأمون غاية الإعجاب كتاب عيسى بن أبان، واعتبره قاضياً على كتاب الهاشمي.

ولعيسى أيضاً ((الحجج الكبير)) في الرد على قديم الشافعي، وهو سبب انصرافه من العراق في رحلته الأخيرة من غير أن يمكث بها إلا أشهراً يسيرة، حيث لم يجد متسعاً لنشر قديمه بالعراق بعد كتاب عيسى بن أبان كما في ((بلوغ الأماني))(ص50)، وللحافظ الطحاوي (ت310هـ) كتب عديدة في نصر المذهب كـ((معاني الآثار))، و((مشكل الحديث))، و((اختلاف العلماء))، و((أحكام القرآن))، وغيرها، كما في ((الحاوي))(ص32-39)، والمقام لا يتسع في الاستفاضة بذكر الحفاظ الذين نصروا مسائله هذا المذهب، وأيدوها بالدلائل علاوة حفاظ المذاهب الأخرى.

خامساً: خدمة مذاهبهم من قبل العلماء تأصيلاً وتفريعاً وتقعيداً: فإن الله سخَّر لمذاهب هؤلاء الأئمة من كرس حياته في خدمتها من حيث الأصول فأبو بكر الرازي ألف ((الفصول)) على مذهب الحنفية وتبعه في التأليف البزدوي والسرخسي وابن الساعاتي في ((البديع)) والفناري في ((البدائع)) وصدر الشريعة في ((التوضيح)) وابن الهمام في ((التحرير)) وملا خسرو في ((المرآة))، وابن كمال في ((التنقيح))، والنسفي في ((المنار))، وغيرهم، وعليها شروح لا تحصى عدداً، فتجد في كلٍّ منها تحريراً للأصول التي اعتمد عليها أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابه في استنباط الفروع من أدلتها، ومثل هذه العناية كانت في المذاهب الأخرى المتبوعة، قال ابن رجب في ((الرد))(ص28-29): ((أقام الله من يضبط مذاهبهم ويحرر قواعدهم حتى ضُبط مذهب كل إمام منهم وأصوله وقواعده وفصوله، حتى ترد إلى ذلك الأحكام ويُضبط الكلامُ في مسائل الحلال والحرام...)).

سادساً: نقل مذاهبهم بطرق متواترة أو مشهورة، فمثلاً في مذهب أبي حنيفة المعوّل عليه في نقل أقواله هي كتب ظاهر الرواية التي ألفها تلميذه محمّد بن الحسن، وهي مروية عنه بطرق مشهورة أو متواترة، أما غيرها من كتب غير ظاهر الرواية التي رويت عنه بطرق آحاد، فإنها غير معتمدة في نقل أقوال صاحب المذهب وأصحابه، وهكذا في غيره من المذاهب الأربعة، قال السيد علوي السقاف الشافعي في ((الفوائد المكية))(ص50): ((صرّح جمعٌ من أصحابنا بأنه لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة، وعلَّلوا ذلك بعدم الثقة بنسبتها إلى أربابها لعدم الأسانيد المانعة من التحريف والتبديل، بخلاف المذاهب الأربعة، فإن أئمتها بذلوا أنفسهم في تحرير الأقوال، وبيان ما ثبت عن قائله وما لم يثبت، فأمن أهلها من كل تغيير وتحريف، وعلموا ال. من الضعيف…)).

سابعاً: تدوين مسائلهم: فإن من تمام حال المذاهب الأربعة أنها دوِّنت بأيدي أصحابها أو تحت أعينهم أو بأيدي تلاميذهم، فحفظت عن الضياع والتحريف والتبديل، بخلاف غيرهم فلم تحظى بذلك، فما دوِّن منها دوَّنه أرباب هذه المذاهب الأربعة، ومعلوم أننا لا نأخذ رأي مالك من كتب الحنفية وبالعكس، فكيف يكون لنا أخذ قول غير هؤلاء الأئمة من كتبهم، فعلماء هذه المذاهب لم يعتنوا بتحرير وضبط غير أقوال أئمة مذاهبهم؛ لذلك كثيراً ما يخطئون في نقل قول أحد المذاهب المدوّنة في كتبهم. وقد دقَّق أصحاب المذاهب المشهورة في النقل عن أئمتهم فهم لا يقبلون قولهم من أي كتاب وإن كان صاحبه من أهل المذهب ما لم يثبت هذا الكتاب ويصل إلينا بطريق مشهور أو متواتر.

وقال ابن حجر الهيتمي في ((الفتاوى الفقهية الكبرى))(4: 307) في سبب عدم تقليد الصحابة رضي الله عنهم : ((نقل إمام الحرمين عن المحققين امتناعه على العوام؛ لارتفاع الثقة بمذاهبهم؛إذ لم تدوَّن وتحرر وجزم به ابن الصلاح، وألحق بالصحابة رضي الله عنهم التابعين رضي الله عنهم وغيرهما ممَّن لم يدون مذهبه))، وقال ابن رجب في ((الرد))(ص34): ((قد نبَّهنا على علة المنع من ذلك ـ أي من تقليد غير الأئمة الأربعة ـ وهو أن مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم مَن يذبّ عنها وينبِّه على ما يقع من الخلل فيها بخلاف هذه المذاهب المشهورة)).

ثامناً: كثرة الورع والتقوى والعبادة التي كانوا عليها: قال ابن سيرين رضي الله عنه : ((إن هذا العلم دين فانظروا عمَّن تأخذون دينكم)) في ((. مسلم))(1: 14)، وروي مثله عن مالك رضي الله عنه وخلائق من السلف كما في ((المجموع))(1: 75)، ومتواتر عن أئمة هذه المذاهب الورع والتقوى، وقد نقل ذلك الذهبي التواتر في كثرة تعبد أبي حنيفة رضي الله عنه.

تاسعاً: تطبيق مذاهبهم في القضاء وتبني بعض الدول الإسلامية لمذاهبهم كمذهب رسمي للدولة: فإن هذا الأمر جعلها حيّة تعيش مع الناس حياتهم، وأثراها بكثرة الدول التي طبقتها والقضاء الذي ألقي على عاتقها، فها هو أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة يدعى أول قاضي قضاة في الإسلام فيعيِّن أرباب مذهبه في القضاء في دولة العباسيين، ويستمر الحال على ذلك، وكذلك فإن الدولة العثمانية التي حكمت ما يقرب من سبع قرون، وكانت أعظم دولة على وجه الأرض كان مذهبها الرسمي هو المذهب الحنفي، وما زالت غالبية الدول الإسلامية مستمدّة لأحكام الأحوال الشخصية من المذهب الحنفي. وأما المذهب المالكي فمنذ القديم ودول المغرب العربي تحكم به، وهلم جرّا.

عاشراً: قبول الأمة لها دون سواها: فرغم كثرة المجتهدين من علماء الإسلام إلا أنها لم تذعن لتقليد غير الأئمة الأربعة، قال الدِّهلوي في ((الإنصاف))(ص97): ((إن هذه المذاهب الأربعة المدونة قد اجتمعت الأمة أو من يُعتدّ به منها، على جواز تقليدها، وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى، لا سيما في هذه الأيام التي قصرت الهمم، وأشرِبَت النفوس الهوى، وأعجب كل ذي رأي برأيه)).

ومعلوم أن هذا القبول لم يحصل لغير هذه الأئمة وقد مضى عليه قرون، وفي هذا المعنى يقول بحر العلوم اللكنوي: ((لم يوجد بعد الأربعة مجتهد اتفق الجمهور على اجتهاده وسلَّموا استقلاله كاتفاقهم على اجتهادهم، فهو مسلم، وإلا فقد وجد بعدهم أيضاً أرباب الاجتهاد المستقل: كأبي ثور البغدادي، وداود الظاهري، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وغيرهم على ما لا يخفى على من طالع كتب الطبقات)) كما في ((النافع الكبير))(ص16)، وقال الشعراني: ((قد نقل الجلال السيوطي رضي الله عنه أن الاجتهاد المطلق على قسمين: مطلق غير منتسب كما عليه الأئمة الأربعة. ومطلق منتسب كما عليه أكابر أصحابهم. قال: ولم يدع الاجتهاد المطلق غير المنتسب بعد الأئمة الأربعة إلا الإمام محمد بن جرير الطبري، ولم يسلم له ذلك)) كما في ((النافع الكبير))(ص14).

الحادي عشر: الخروج من الفوضى الفقهية: فإن المذاهب انتشرت في البلاد، وأهل كل مصر يقلدون مذهباً منها، وأحكامه شائعة بين أهله، وهي أشبه ما تكون بقوانين تنظم علاقة الفرد مع خالقه والناس فيما بينهم، فإن ترك التقليد عمّت الفوضى والاضطراب في معرفة الأحكام الشرعية بين الناس، وشاع الجهل، فلا تجد خاصتهم يميِّزون بين السنن والأركان والواجبات في الطهارة والصلاة وغيرها، فأصبح الناس سكارى وما هم بسكارى، لا يعرفون حكم الله تعالى في أفعالهم وأقوالهم، وما يعرض لهم من وقائع.

وقال العلامة محمد الحامد: ((لبعض الناس أن يشاغبوا على المذاهب المُتبعة، التي استنفذ أصحابها وسعهم في استنباط الأحكام من منابعها الأصلية، في تركيز القواعد الشَّرعيَّة العامة ، التي تنبني عليها جُزئيات الأحكام، وفرعيات التَّكاليف ، وبهذا عظمت النِّعمة الإلهية علينا بكثرة الثَّروة العلميَّة، ووفرة المعرفة الدَّينية، فأصبح صرحُ التَّشريع الإسلامي مشيدَ البناء، شامخاً إلى العلاء، بعيداً عن الفوضى التي شاعت في الأمم قبلنا مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ[الروم: 32])) .كما في ((الاجتهاد))(ص91).

الثاني عشر: عدم التلاعب بأحكام الدين: فإن المسلمين رضوا بما ارتضاه لهم علماؤهم الأتقياء، وبقوا طوال التَّاريخ الإسلامي يتعبدون الله تعالى على ما قُيد لهم من أحكام ، فيعرفون حكم الله في كل مسألة فكلّ شيء مدوّن ومعلوم وواضح، فلم يَعد للهوى مجال لِيتلاعب بهذه الشَّريعة المطهرة، وما قيد كان لأعلم النَّاس وأورعهم في خير العصور المشهود لها بالخيرية من المصطفى عليه السلام، وحرره وحمله عنهم من كلِّ جيل عدوله من العلماء الأتقياء، وكانوا يفرعون عليه بما يكفي وحاجة النَّاس. إلا أنّه لا بُدَّ أنَّ يوجد في كلَّ عصر من يَخرج عن المألوف.

قال الإمام الكوثري في ((المقالات))(ص219): ((ومَن يتذبذب بين المذاهب، منتهجاً اللامذهبية في الدِّين الإسلامي، فهو أسوأ وأردأ من الجميع، وللعلوم طوائف خاصة، تختلف مناهجهم، حتى في العلم الواحد عن اقتناع خاص، فمَن ادّعى الفلسفة من غير انتماء إلى أحد مسالكها المعروفة، فإنه يُعدُّ سفيهاً منتسباً إلى السَّفه لا إلى الفلسفة، والقائمون بتدوين العلوم لهم مبادئ خاصة ومذاهب معينة، حتى في العلوم العربية، لا يمكن إغفالها ولا تسفيه أحلام المستمسكين بأهدابها، لمن يريد أن يكرع من ينابيعها الصَّافية. وليس ثمة علم من العلوم عني به العلماء عناية تامة على توالي الإسلام، مثل الفقه الإسلامي)).

وقال الدجوي: ((ولعمر الله إني لا أرى هذا الرَّأي إلا فتحاً لبناء الأهواءِ، التي تجعل الكتاب والسنة لعبة لأولئك المتهوسين، الذين هم من ذوي الجهل المركب، والخيالات الفاسدة، ومما لا شكَّ فيه أن الأهواء تختلف حدَّ الاختلاف، وأنَّ الجهال إنَّما يستمدون من العواصف والأوهام، لا من العقول والأفهام، فماذا يكون الحال إذا سلطانهم على الشَّريعة، يفهمونها بآرائهم، ويلعبون فيها بأهوائهم)) . كما في ((الاجتهاد))(ص62).

الثالث عشر: صعوبة وعسر استنباط الأحكام من القرآن والسنة للمتأخرين: فصَّل ذلك الدِّهلوي في ((الإنصاف))(ص72-73)، فقال: ((إنها حالة بعيدة غير واقعة لبعد العهد عن زمان الوحي، واحتياج كل عالم في كثير مما لا بد له في علمه إلى ما مضى من روايات الأحاديث على تشعب متونها وطرقها، ومعرفة مراتب الرجال، ومراتب صحة الحديث وضعفه، وجمع ما اختلف من الأحاديث والآثار، والتنبّه لما يأخذ الفقيه منها، ومن معرفة غريب اللغة وأصول الفقه، ومن رواية المسائل التي سبق التكلم فيها من المتقدمين مع كثرتها جداً وتباينها واختلافها، ومن توجيه أفكاره في تمييز تلك الروايات وعرضها على الأدلة، فإذا أنفذ عمرَه في ذلك كيف يوفي حق التفاريع بعد ذلك، والنفس الإنسانية وإن كانت زكية لها حدّ معلوم تعجز عما وراءه. وإنّما كان هذا ميسّر للطراز الأول من المجتهدين حين كان العهدُ قريباً، والعلوم غير متشعبة، على أنه لم يتيسر ذلك أيضاً إلا لنفوس قليلة، وهم مع ذلك كانوا مقيدين بمشايخهم معتمدين عليهم، ولكن لكثرة تصرفاتهم في العلم صاروا مستقلين. وبالجملة فالتمذهب للمجتهدين سرٌّ ألهمه الله تعالى العلماء، وتبعهم عليه من حيث يشعرون أو لا يشعرون)).

الرابع عشر: يسر استخراج الأحكام من الأصول والقواعد وأقوال الفقهاء: فإن أئمة المذاهب استقرءوا نصوص الشريعة وسبروها، واستخلصوا منها الأصول والقواعد التي تنتظم فيها المسائل الفقهية لدى كل منهم، فلم يبق على مَن قلدهم إلا استخراج أحكام ما لم ينصوا عليه مما استجد من المسائل الفرعية على أصولهم وفروعهم التي وردت عنهم. حيث أنهم قطعوا لمن بعدهم مرحلة طويلة وشاقة في استخلاص الفروع من نصوص الشارع، فكان عمل مَن بعدهم أيسر وأسهل في التعرف على أحكام الشريعة، ويظهر هذا جلياً لمَن فرغ وقته ونفسه في الاشتغال على مذهب من مذاهب هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم ، وسيأتي مزيد من التفصيل عند الكلام عن المجتهد في المذهب.

الخامس عشر: قلّة الدين والورع والتقوى وفساد الحال كلّما تأخر الزمان: يشهد لذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (خير القرون قرني…)، قال ابن رجب في ((الرد))(ص27-28): ((ثمّ قلَّ الدين والورع، وكثر مَن يتكلم في الدين بغير علم ومَن ينصب نفسه لذلك، وليس هو له بأهل، فلو استمر الحال في هذا الزمان المتأخرة على ما كان عليه في الصدر الأول بحيث أنّ كلّ أحد يفتي بما يدّعي أنه يظهر له أنه الحقّ؛ لاختل به نظام الدين لا محالة، ولصار الحلال حراماً والحرام حلالاً. ولقال كلّ مَن شاء ما يشاء، ولصار ديننا بسبب ذلك مثل دين أهل الكتابين من قبلنا، فاقتضت حكمة الله سبحانه أن ضبط الدين وحفظه بأن نصب للناس أئمة مجتمعاً على علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى من أهل الرأي والحديث. فصار الناس كلهم يعوِّلون في الفتاوى عليهم، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم)).

السادس عشر: أنه لا فائدة عملية تعود علينا بترك الالتزام المذهبي والدعوة إلى الاجتهاد لكل أحد: فأي فائدة من هذه الدعوى للاجتهاد بعد أن فصلوا لنا الأحكام في كل صغيرة وكبيرة من أمور حياتنا وآخرتنا إلا إذا اتهمنا الأئمة بأنهم كانوا خارجين عن الكتاب والسنة في استنباطاتهم متبعين لأهوائهم، وهذا يعني أنهم وكل من تبعهم من العلماء والأمة الإسلامية في جميع القرون الخالية كانت على غير هدى ونور، ونحن في هذا العصر سنعيد الحق إلى نصابه. فأي ضلال وجور هذا الذي تنسب به أمة الإسلام وعلمائها إلى الضلال من أجل ظهور نفسه أو بدعة ابتدعها يريد حمل الناس عليها أو هوى في نفسه يسعى لإيجاد واقع له.

وقال الإمام الكوثري في ((المقالات))(ص222): ((مذاهب تكون بهذا التأسيس، وهذا التدعيم إذا لقيت في آخر الزمن، متزعماً في الشَّرع، يدعو إلى نبذ التَّمذهب بها باجتهاد جديد يقيمه مقامها، محاولاً تدعيم إمامته باللامذهبية بدون أصل يبني عليه غير شهوة الظهور، فتبقى المذاهب وتابعوها في حيرة، بماذا يحلُّ أن يلقب مَن عنده مثل هذه الهواجس والوساوس أهو مجنون مكشوف الأمر، غلط من لم يقده إلى مستشفى المجاذيب، أم مُذبذب بين الفريقين يختلف أهل العقول في عدّه من عقلاء المجانين، أو مجانين العقلاء)).

السابع عشرً: توحيد صفوف المسلمين، وجمع كلمتهم: فإن هذه المذاهب الأربعة التي يتبعها المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها، كلّ يتبع ما قاله ويعمل به بكل وقار وسكينة، ويحترم أتباع المذاهب الأخرى وينْزلهم منْزلتهم من التقدير، دون تشكيك أو غمز لهم على ما عليه الجمهور. وهذا بخلاف مَن يدّعون الاجتهاد لكل فرد، فإنّه في المدنية الواحدة تجدهم أشتاتاً وأحزاباً، كل حزب بما لديهم فرحون، فيرمي الآخر بأبشع التهم، فكلّ شيخ منهم يتحوطه مجموعة من التلاميذ يرون أن الحقّ معهم فحسب، ولا يتورعون من إنْزال الكفر بغيرهم لمخالفة فقهية يسيرة. قال يوسف الدجوي: ((على أنَّ النَّاس لو أخذوا من القرآن والسنة، كما يريد هؤلاء لما وقف بهم الاختلاف عند حدّ، ولأصبحت المذاهب أربعة آلاف بدلاً من أربعة، ويومئذ يكون كل الويل للمسلمين ـ لا أرانا ذلك اليوم ـ)). كما في ((الاجتهاد))(ص57).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أبوعلاء
مشرف
مشرف
أبوعلاء

تاريخ التسجيل : 23/04/2010
مكان الإقامة : سوريا
التحصيل التعليمي : معهد متوسط
العمل : موظف
العمر : 44
ذكر
عدد المساهمات : 5118
المزاج : الحمد لله على كل حال
دعاء الثور

أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك Empty
مُساهمةموضوع: رد: أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك   أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك Empty12.10.10 23:08

:)
اللهم إرحم الأئمة الأربعة وخذ بيد القائمبن على نصرة الدين
Rolling Eyes
أخي أبو محمد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابن الإسلام
عضو مميز
عضو مميز
ابن الإسلام

تاريخ التسجيل : 11/01/2010
مكان الإقامة : سوريـــــــــــــــــا
التحصيل التعليمي : جامعي - كلية تربية
العمل : موظف
العمر : 43
ذكر
عدد المساهمات : 272
المزاج : الحمد لله على نعمة الإسلام
دعاء الاسد

أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك Empty
مُساهمةموضوع: رد: أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك   أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك Empty13.10.10 9:17

أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك 933681
أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك 796658
أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك 370738
أستاذنا الفاضل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابن التين
مشرف
مشرف
ابن التين

تاريخ التسجيل : 17/03/2009
مكان الإقامة : ســـوريــــــــا
التحصيل التعليمي : طالب جامعة
العمل : موظف
العمر : 48
ذكر
عدد المساهمات : 1959
المزاج : الحمدلله رب العالمين
دعاء السمك

أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك Empty
مُساهمةموضوع: رد: أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك   أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك Empty13.10.10 20:30

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم خلقنا بالأخلاق التي ترضيك عنا
ورحم الله أولئك الأعلام

جزاك الله خيراً
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الفاروق
مشرف
مشرف
الفاروق

تاريخ التسجيل : 05/05/2009
مكان الإقامة : سوريا
التحصيل التعليمي : كلية الشريعة
العمل : مدرس
العمر : 44
ذكر
عدد المساهمات : 4805
المزاج : أسأل الله العفو والعافية
دعاء الجدي

أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك Empty
مُساهمةموضوع: رد: أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك   أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك Empty15.09.11 7:09

وقال الإمام السيوطي رضي الله عنه :
((اعلم أن اختلاف المذاهب في هذه الملّة
نعمة كبيرة وفضيلة عظيمة

Question
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alshlash.yoo7.com/
المتوكل على الله
عضو مميز
عضو مميز
المتوكل على الله

تاريخ التسجيل : 06/11/2009
مكان الإقامة : سوريا
التحصيل التعليمي : متعلم
العمل : موظف
العمر : 57
ذكر
عدد المساهمات : 199
دعاء الميزان

أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك Empty
مُساهمةموضوع: رد: أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك   أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك Empty16.09.11 15:42

الحمد لله والصلاة على رسول الله
وقال الإمام السيوطي رضي الله عنه : ((اعلم أن اختلاف المذاهب في هذه الملّة نعمة كبيرة وفضيلة عظيمة، وله سرٌّ لطيف أدركه العالِمون، وعَمِي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجهال يقول: النبي صلى الله عليه وسلم جاء بشرع واحد، فمن أين مذاهب أربعة))
Laughing
شيخنا الحياوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
أسباب تقليد المذاهب الأربعة... وأهمية ذلك
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى منازل السائرين :: ¤ ¤ ¤ القسم الاسلامي ¤ ¤ ¤ :: .:: الفقه والعبادات ::.-
انتقل الى: